لماذا يفشل الحوار السياسي في ليبيا؟ قراءة اجتماعية

لا يعود تعثر الحوار السياسي في ليبيا إلى غياب المبادرات أو نقص الاجتماعات، فقد شهدت البلاد مسارات تفاوضية عديدة منذ سنوات. غير أن كثرة المؤتمرات والبيانات لم تنتج تسوية مستقرة، لأن الخلاف السياسي يرتبط بتركيبة اجتماعية تمزقت بفعل الحرب، وتوزيع غير متوازن للموارد، وتنافس حاد على الشرعية والنفوذ. لذلك فإن فهم فشل الحوار يحتاج إلى تجاوز لغة النخب والمؤسسات، والنظر في مشاعر الناس ومصالح المدن والجماعات التي يفترض أن يمثلها المتحاورون.

تزداد أهمية هذا النقاش في مرحلة تستعد فيها المنصات الإعلامية الليبية للعودة بصيغ جديدة، ومنها موقع الوطن ليبيا الذي يعلن عودته قريباً في شكل مختلف. فالمنبر الإعلامي يمكن أن يساعد على شرح جذور الانقسام، وتوسيع النقاش العام، وربط القضايا الوطنية بتجارب المجتمع اليومية، بدلاً من حصرها في بيانات القوى السياسية. وفي هذا السياق، يصبح الحوار الحقيقي عملية اجتماعية طويلة، لا لقاءً مغلقاً ينتهي بتوقيع وثيقة.

انقسام الشرعية وتعدد مراكز القوة

يبدأ التعثر من سؤال بسيط ظاهرياً: من يملك حق التحدث باسم ليبيا؟ توجد حكومات ومجالس وأجسام عسكرية وبلدية، ولكل طرف سرديته عن الشرعية ومبررات وجوده. وحين يجلس ممثلو هذه الأطراف إلى طاولة واحدة، فإنهم لا يتفاوضون حول برنامج سياسي فقط، بل حول موقع كل جهة في الدولة المقبلة، وحصتها من المال العام، وقدرتها على حماية أنصارها.

هذا الوضع يجعل التنازل السياسي محفوفاً بالخطر. فالقائد أو المسؤول الذي يقدم مرونة في التفاوض قد يُتهم داخل جماعته بالتفريط، بينما يخشى الطرف الآخر أن تتحول أي تسوية إلى وسيلة لإبعاده أو محاسبته. وبذلك يصبح التمسك بالمواقف وسيلة لحماية المكانة الاجتماعية، لا مجرد مناورة تفاوضية. ما لم توجد ضمانات واضحة للأمن والمشاركة، سيبقى الحوار محكوماً بمنطق الغلبة المؤجلة.

كما أن ضعف المؤسسات الوطنية المستقلة يضاعف المشكلة. فعندما لا يثق المواطن في القضاء أو الانتخابات أو الأجهزة الرقابية، تتحول الجماعة المحلية أو القبيلة أو التشكيل المسلح إلى مصدر أمان بديل. وفي هذه البيئة، لا يكفي إعلان اتفاق سياسي؛ إذ يحتاج الاتفاق إلى مؤسسات تستطيع تطبيقه بعدالة، وإلى قبول اجتماعي يمنحه شرعية تتجاوز توقيعات النخب.

الذاكرة الاجتماعية للحرب

الحرب لا تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار. تترك وراءها قتلى ومفقودين ونازحين وبيوتاً مدمرة واتهامات متبادلة، وتنتقل آثارها إلى العائلات والمدارس وأماكن العمل. لذلك يدخل ممثلو المدن والمناطق إلى الحوار وهم يحملون ذاكرة مختلفة للأحداث. ما يراه طرف دفاعاً عن الدولة قد يراه طرف آخر هجوماً على مدينته، وما يعده فريق انتصاراً وطنياً قد يفسره آخر باعتباره إقصاءً أو انتقاماً.

غياب العدالة الانتقالية يزيد صعوبة المصالحة. فالعفو العام غير المدروس قد يترك الضحايا بلا اعتراف أو إنصاف، بينما تؤدي المحاسبة الانتقائية إلى ترسيخ الشعور بأن القانون أداة بيد المنتصر. ويحتاج المجتمع إلى مسار يجمع توثيق الانتهاكات، وكشف مصير المفقودين، وتعويض المتضررين، وإتاحة الاعتراف بالمسؤولية. من دون ذلك، قد يصمت السلاح مؤقتاً، لكن أسباب العنف تظل حاضرة في الخطاب والعلاقات اليومية.

وتظهر هذه الذاكرة أيضاً في صعوبة عودة النازحين وإعادة دمج المقاتلين. فعودة الأسر إلى مناطقها لا تتعلق بالسكن وحده، بل بالأمان والقبول والقدرة على استعادة العمل والتعليم. كما أن نزع السلاح لا ينجح حين يشعر الشاب بأن التخلي عن سلاحه يعني فقدان الحماية والدخل والهوية. ولهذا ينبغي أن يتضمن الحوار ترتيبات اجتماعية واقتصادية، لا ترتيبات دستورية وأمنية فقط.

الاقتصاد بوصفه وقوداً للصراع

يرتبط الصراع السياسي في ليبيا بالسيطرة على الإيرادات والوظائف والإنفاق العام. وعندما تتركز الموارد في مؤسسات لا تخضع لرقابة فعالة، يصبح الوصول إلى السلطة طريقاً للحصول على النفوذ الاقتصادي. عندها لا ينظر الفاعلون إلى تشكيل الحكومة أو توزيع المناصب باعتباره شأناً إدارياً، بل كمعركة حول الرواتب والعقود والدعم والخدمات.

هذا الواقع يفسر لماذا تنهار بعض التفاهمات بسرعة. فقد توافق الأطراف على مبادئ عامة، ثم تختلف عند توزيع المناصب والميزانيات أو تحديد الجهة التي تدير المؤسسات السيادية. كما أن تفاوت الخدمات بين المناطق يخلق شعوراً دائماً بالغبن، ويمنح الخطاب المناطقي قوة إضافية. المواطن الذي يعاني انقطاع الكهرباء أو ضعف العلاج لا يرى جدوى كبيرة في نقاشات النخب إذا لم يلمس أثراً مباشراً في حياته.

ويحتاج أي مسار سياسي قابل للحياة إلى قواعد شفافة لإدارة الثروة، وتوزيع عادل للإنفاق، ونشر البيانات المالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما ينبغي إشراك البلديات والجامعات والنقابات والقطاع الخاص في تصور الاقتصاد المحلي، لأن الاستقرار لا يتحقق بإعادة توزيع المناصب وحدها. ويمكن الاطلاع على خطة التسويق الجديدة لفهم أهمية وضوح الرسائل والأهداف عند بناء أي مشروع عام، فالحوار السياسي نفسه يحتاج إلى خطاب مفهوم ونتائج قابلة للقياس.

التدخل الخارجي وأزمة التمثيل

تؤثر القوى الخارجية في مسار الأزمة الليبية عبر الدعم السياسي والاتصالات والتمويل والسلاح، وقد تمنح بعض الأطراف قدرة أكبر على الصمود من قدرتها المحلية. وحين يشعر الفاعلون بأن حلفاءهم الدوليين يستطيعون تعويض ضعف التأييد الداخلي، تقل حاجتهم إلى تقديم تنازلات للمجتمع. يصبح التفاوض موجهاً إلى الخارج بقدر ما هو موجه إلى الخصوم في الداخل.

لا يعني ذلك أن العامل الخارجي يفسر كل شيء، فالأزمة لها جذور ليبية واضحة. لكن تضارب المصالح الدولية يضيف طبقة من التعقيد إلى المشهد، ويجعل الاتفاقات قابلة للتبدل مع تغير التحالفات الإقليمية. كما أن بعض المبادرات الدولية تركز على تشكيل الحكومات أو تنظيم الانتخابات، بينما تتعامل مع المصالحة المحلية بوصفها مرحلة لاحقة، مع أنها شرط أساسي لإنجاح أي مؤسسة منتخبة.

ومن المفيد مقارنة التجربة الليبية بمقاربات الحوار وبناء السلام في مناطق أخرى، مع الحذر من استيراد نماذج جاهزة. وتعرض خبرات الحوار المقارن أفكاراً يمكن أن تفتح نقاشاً حول دور المجتمع المدني والوساطة المحلية، لكن الاستفادة الحقيقية تتطلب تكييفها مع بنية المدن الليبية وعلاقاتها التاريخية. فالحل الذي ينجح في دولة مركزية قد يفشل في بلد تتوزع فيه القوة بين مناطق وشبكات اجتماعية متعددة.

الإعلام وتشكيل الرأي العام

يسهم الإعلام في تعميق الانقسام حين يتحول إلى منصة تعبئة لصالح طرف واحد. العناوين الحادة، ونشر الأخبار غير الموثقة، وتعميم الاتهام على مناطق كاملة، كلها تعيد إنتاج الخوف وتغلق مساحة التفاهم. وفي المقابل، يستطيع الإعلام المهني أن يشرح اختلاف المصالح، ويفصل بين نقد السياسات والتحريض على الجماعات، ويمنح المواطنين معلومات تساعدهم على تقييم الاتفاقات.

المشكلة أن الجمهور الليبي يعيش في فضاء إعلامي متشظٍ. فقد يتلقى سكان مدينة ما رواية مختلفة تماماً عن الحدث نفسه مقارنة بسكان مدينة أخرى، وتؤدي وسائل التواصل الاجتماعي إلى انتشار المقاطع المجتزأة والخطابات الغاضبة بسرعة كبيرة. لذلك لا يكفي إطلاق منصة جديدة؛ المطلوب بناء ثقة تحريرية، والتحقق من الأخبار، واستضافة أصوات لا تحظى عادة بمساحة في البرامج السياسية، ومنها النساء والشباب والنازحون وسكان الجنوب.

ويحتاج الحوار العام إلى لغة تبتعد عن التخوين والتعميم. فالمصالحة لا تبدأ حين يتفق الجميع في الرأي، بل حين يستطيع المختلفون وصف مصالحهم من دون نزع الوطنية عن الطرف الآخر. ويمكن للمنصات المتخصصة أن تنظم ملفاتها وفق القضايا والمناطق والوثائق، وقد تساعد متابعة الملفات الليبية السياسية في ربط النقاش الراهن بسياقه الإخباري، بدلاً من التعامل مع كل أزمة كأنها حدث منفصل.

لا يفشل الحوار السياسي لأن الليبيين عاجزون عن التوافق، بل لأن شروط التوافق لم تكتمل بعد. فالحوار يحتاج إلى تمثيل أوسع، وضمانات أمنية، وعدالة انتقالية، وإدارة شفافة للموارد، وإعلام يخفف التوتر بدلاً من استثماره. كما يحتاج إلى نقل جزء من القرار من الغرف المغلقة إلى البلديات والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني، حيث تظهر آثار الصراع وتوجد فرص المصالحة الفعلية.

الطريق العملي يبدأ بتقسيم الملفات إلى مراحل قابلة للتنفيذ: حماية المدنيين، توحيد قواعد الإنفاق، معالجة أوضاع النازحين، إطلاق مسار للمفقودين، ثم الاتفاق على قواعد انتخابية ومؤسساتية واضحة. وكل خطوة ينبغي أن ترتبط بمؤشر معلن وموعد محدد وجهة مسؤولة، حتى يتحول الحوار من وعود عامة إلى التزام يمكن للمواطن متابعته ومحاسبة أصحابه عليه.