الوطن ليبيا يطلق حملة توعية حول حقوق الصحفيين

يأتي إطلاق حملة توعية حول حقوق الصحفيين في وقت أصبحت فيه بيئة العمل الإعلامي أكثر تعقيدًا، بفعل التحولات السياسية والتقنية وتزايد الاعتماد على المنصات الرقمية. وتهدف الحملة إلى تعريف الصحفيين والصحفيات بالضمانات التي تحمي مهنتهم، وتوضيح الحدود الفاصلة بين ممارسة العمل الصحفي المشروع وبين المخالفات التي قد تترتب عليها مسؤولية قانونية.

وتسعى المبادرة كذلك إلى تعزيز وعي الجمهور بأهمية الإعلام المستقل، وشرح الدور الذي يؤديه الصحفي في نقل المعلومات والتحقق منها ومساءلة الجهات العامة. ويأتي ذلك ضمن توجه إعلامي يسعى إلى إعادة بناء الثقة بين المؤسسات الصحفية والمجتمع، مع التأكيد على أن حماية الصحفي لا تنفصل عن حماية حق المواطنين في المعرفة.

الحقوق الأساسية في ممارسة العمل الصحفي

يشمل الحق في ممارسة الصحافة الوصول إلى المعلومات من مصادرها، وطرح الأسئلة على المسؤولين، ونقل الوقائع إلى الجمهور بموضوعية ومهنية. ولا ينبغي أن تتحول طبيعة الموضوع الذي يتناوله الصحفي، أو الجهة التي يجري التحقيق معها، إلى سبب تلقائي للتهديد أو المنع أو التضييق، ما دام العمل قائمًا على قواعد التحقق والنشر المسؤول.

وتؤكد الحملة أن الصحفي يملك حق رفض نشر مادة تتعارض مع ضميره المهني أو تتضمن معلومات غير موثوقة. كما يحق له الحصول على بيئة عمل آمنة، وأجر عادل، وعقد واضح يحدد المهام والمسؤوليات، مع حماية خاصة للصحفيين المستقلين والعاملين بنظام التعاون المؤقت.

ويُعد التفريق بين النقد والتحريض أمرًا مهمًا في هذا السياق. فانتقاد أداء مؤسسة أو مسؤول يدخل ضمن العمل الإعلامي المشروع، بينما لا تشمل حرية التعبير نشر خطاب الكراهية أو التحريض على العنف أو تعمد ترويج أخبار مفبركة. وتساعد هذه الحدود على حماية حرية الصحافة من الاستخدام الذي قد يضر بها أو يبرر تقييدها.

الوصول إلى المعلومات وحماية المصادر

لا يستطيع الصحفي أداء مهمته إذا بقيت البيانات العامة محجوبة أو خاضعة لمزاج الموظفين. لذلك تركز الحملة على حق طلب المعلومات المتعلقة بالشأن العام، مثل القرارات الإدارية والميزانيات والمشروعات والخدمات، مع احترام البيانات الشخصية والمعلومات التي يحميها القانون لأسباب واضحة ومحددة.

وتتطلب المطالبة بالمعلومات استخدام أساليب مهنية تبدأ بتحديد السؤال بدقة، وتوثيق المراسلات، ومنح الجهة المعنية وقتًا مناسبًا للرد. وفي حال الرفض، ينبغي معرفة أساسه القانوني والاحتفاظ بالوثائق التي تثبت الطلب، بدل الاكتفاء بنشر اتهامات عامة قد تضعف الملف الصحفي.

أما سرية المصادر فهي من أهم ضمانات الصحافة الاستقصائية. فكثير من المعلومات التي تكشف الفساد أو سوء الإدارة تصل إلى غرف الأخبار عبر أشخاص يخشون الانتقام أو فقدان وظائفهم. ولهذا يجب على الصحفي والمؤسسة الإعلامية تقليل البيانات التي تكشف هوية المصدر، واستخدام قنوات اتصال آمنة، وعدم تقديم وعود بالحماية إذا لم تكن المؤسسة قادرة على الوفاء بها.

السلامة المهنية في الميدان

تتناول الحملة مفهوم السلامة الصحفية باعتباره منظومة متكاملة تشمل المخاطر الجسدية والقانونية والنفسية. وقبل التوجه إلى موقع حدث حساس، يحتاج الصحفي إلى تقييم طبيعة المكان، واحتمال وقوع اشتباكات أو اعتقالات، ووسائل الخروج، وأرقام الأشخاص الذين يمكن التواصل معهم عند الطوارئ.

ويجب أن يحمل الصحفي بطاقة مهنية ووثائق تعريف مناسبة، وأن يوضح صفته عند الضرورة دون الاقتراب من مناطق الخطر بلا سبب. كما يُنصح بتجنب المواجهات، واحترام تعليمات السلامة، وعدم تصوير الأشخاص في أوضاع قد تعرضهم للضرر من دون موافقة أو مبرر صحفي قوي.

ولا تقل السلامة النفسية أهمية عن الحماية الميدانية. فالتغطية المستمرة للحوادث العنيفة أو الكوارث أو الانتهاكات قد تترك آثارًا طويلة على الصحفي. ومن مسؤولية المؤسسات توفير فترات راحة ودعم نفسي وإمكانية التحدث مع مختصين، بدل اعتبار الإرهاق والخوف دليلًا على ضعف مهني.

وتشمل الجاهزية أيضًا الانتباه إلى مخاطر الاحتيال الإلكتروني والروابط المضللة. وعند التعامل مع منصات تجارية أو طلبات دفع مرتبطة بخدمات رقمية، ينبغي مراجعة الجهة والصفحة قبل إدخال أي بيانات؛ ويمكن الرجوع إلى صفحة الدفع الإلكتروني ضمن إجراءات التحقق من طبيعة الخدمات والروابط المتداولة.

الأمن الرقمي وحرية التعبير

أصبح الهاتف المحمول أداة رئيسية لجمع الأخبار وتصوير الأحداث وحفظ الملفات، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف إذا لم تُحمَ محتوياته. وتدعو الحملة الصحفيين إلى تفعيل كلمات مرور قوية، وتحديث أنظمة التشغيل، واستخدام المصادقة الثنائية، وتجنب إرسال الملفات الحساسة عبر حسابات غير مؤمنة أو أجهزة مشتركة.

ومن الضروري فصل الحسابات الشخصية عن الحسابات المهنية قدر الإمكان، وتقليل المعلومات المنشورة عن مكان الإقامة والأسرة والتنقلات. كما ينبغي إنشاء نسخ احتياطية مشفرة للمواد الصحفية، والاحتفاظ بالوثائق الأصلية في مكان آمن، والتأكد من هوية من يطلب الملفات أو كلمات المرور.

وتتصل حرية التعبير بالمسؤولية الرقمية أيضًا. فإعادة نشر صورة أو تسجيل صوتي من دون التحقق قد تضر بأشخاص أبرياء، كما أن نشر بيانات الضحايا أو الأطفال قد يعرضهم للخطر. لذلك يتعين على الصحفي مراجعة المحتوى قبل نشره، وطمس التفاصيل الحساسة عند الحاجة، وتصحيح الخطأ بسرعة ووضوح إذا ظهر لاحقًا.

وتحتاج المؤسسات الإعلامية إلى سياسات واضحة بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي والصور المعدلة والمصادر المجهولة. ولا يكفي وضع عبارة عامة عن المهنية؛ بل يجب تحديد من يراجع المواد، وكيف يُوثق المصدر، وما الإجراءات المتبعة عند اكتشاف محتوى مزيف أو منتحل.

المساواة وعدم التمييز داخل غرف الأخبار

تولي الحملة اهتمامًا بحقوق الصحفيات والعاملين في الإعلام من مختلف المناطق والخلفيات. فالمساواة في التعيين والأجر والترقية والتكليف بالمهمات لا ينبغي أن تبقى وعودًا عامة، بل يجب أن تظهر في سياسات مكتوبة وآليات شكوى مستقلة تحمي المبلّغين من الانتقام.

وتواجه الصحفيات أحيانًا مضايقات في الميدان أو عبر شبكات التواصل، وقد تتعرض للتقليل من قدراتهن أو ربط عملهن بحياتهن الشخصية. وتحتاج المؤسسات إلى قواعد تمنع التحرش والتنمر والابتزاز، مع إجراءات تحقق سرية وسريعة، وتوفير حماية فعلية لمن يقدمن الشكاوى.

كما يجب أن تعكس التغطية الإعلامية تنوع المجتمع الليبي، وألا تختصر قضاياه في أصوات المسؤولين أو الشخصيات الأكثر ظهورًا. إن إشراك النساء والشباب وسكان المناطق المختلفة والخبراء المحليين يوسع مصادر الخبر ويمنح الجمهور صورة أكثر دقة عن الواقع.

ويمكن الاستفادة من نماذج المشاركة المجتمعية التي تربط الإعلام بالمساءلة العامة، مثل المبادرات التي تناقش حلول المشاركة المدنية وتدعم حضور المواطنين في النقاش العام، مع مراعاة التحقق من طبيعة كل مصدر قبل الاستناد إليه في مادة صحفية.

دور الجمهور والمؤسسات في حماية الصحافة

لا تقع مسؤولية حماية الصحفيين على غرف الأخبار وحدها، فالجمهور يستطيع المساهمة في ذلك عبر عدم تداول الإشاعات، واحترام حقوق المصورين والمراسلين، والتمييز بين الخبر والتعليق والدعاية. كما يمكن للقراء الإبلاغ عن المحتوى المضلل بطريقة موثقة بدل استخدام الإهانة أو التهديد ضد الصحفي بسبب اختلاف الرأي.

أما المؤسسات العامة، فعليها اعتماد إجراءات واضحة للتعامل مع الإعلاميين، وتوفير المعلومات في الوقت المناسب، ومنع الموظفين أو عناصر الأمن من عرقلة التغطية من دون أساس قانوني. ويجب أن تكون أي قيود على التصوير أو الدخول إلى موقع ما محددة ومعلنة ومرتبطة بحماية حقيقية، لا وسيلة لمنع التغطية غير المرغوبة.

وتحتاج النقابات والهيئات الصحفية ومنظمات المجتمع المدني إلى توثيق الانتهاكات وإصدار تقارير دورية حول الاعتداءات والاحتجاز والتهديد والمنع من العمل. ويساعد هذا التوثيق في كشف الأنماط المتكررة، وتقديم الدعم القانوني، وتحويل المطالب العامة إلى سياسات قابلة للقياس.

كما أن الشراكات المهنية يمكن أن تمنح المبادرة استمرارية أكبر، خصوصًا عند تبادل الخبرات وتنظيم التدريبات وإنتاج الأدلة العملية. ويمكن متابعة نماذج الشراكات الإعلامية التي تفتح المجال للتعاون وتوسيع نطاق التوعية، شرط وضوح الأدوار والالتزام بالاستقلال التحريري.

تنجح حملة التوعية حين تتحول مبادئها إلى سلوك يومي: صحفي يتحقق قبل النشر، ومؤسسة تحمي فريقها، ومسؤول يجيب عن الأسئلة، وقارئ يرفض التضليل. والخطوة العملية الأهم هي إعداد قائمة مختصرة داخل كل غرفة أخبار تتضمن أرقام الطوارئ، وإجراءات حماية المصادر، وقواعد التحقق، ومسارًا واضحًا للإبلاغ عن أي تهديد أو انتهاك.