كتاب الوطن

ظاهرة الهجوم على الشيخ الصادق الغرياني .. بقلم/ د. محمود منصور الرقيعي

التاريخ : Mar 27, 2012



روى الإمام الذهبي وغيره من أصحاب السير أن أميرالمؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أتى ديار الشام يتفقد أحوالها فلما نزل "بحمص" لَقَََِيهُ أهلها للسلام عليه فقال: كيف وجدتم أميركم ؟ يقصد "سعيد بن عامر الجُمَحيُّ" فَشَكَوه إليه وذكروا أربعا من أفعاله، ومما ذكروه قالوا تصيبه من حين إلى آخر غَشيَةُ فيغيب عمن فى مجلسه فقلت و ما هذا يا سعيد؟ فقال : شهدت مصرع خُبيب بن عَدِيِّ وأنا مشرك، ورأيت قريشا تُقطِّع جسده وهي تقول له: أتحب محمدا صلى الله عليه وسلم أن يكون مكانك؟ فيقول لا، وإني والله ما ذَكرتُ ذلك اليوم وكيف أني تركت نُصرته إلا ظننت أن الله لا يغفر لي .. وأصابتني تلك الغشية.

تأمل أخي الكريم فى هذه القصة فالصحابي الجليل مازال يتذكر كيف ترك نصرة خُبيب بن عَدِيِّ رغم أنه كان على الشرك فى ذلك الوقت ثم أسلم بعد ذلك، بل يصل به الأمر أن تصيبه الغشية عندما يتذكر تلك الحادثة مستشعرا عظم الأمر مخافة أن الله لن يغفر له ذلك. فهل نستشعر بشئ مما استشعره هذا الصحابي الجليل عندما نرى بعض الجهال يتعرض لبعض العلماء أوالدعاة الى الله بالسب واللمز أو التنقيص و الإستهزاء !!.

 إن الملفت للنظرفي هذه الأيام يُلاحظ أن هناك حربا ضَروسا تُشن ضد دعاة الإسلام، وقد تجلَّت هذه الحرب فى إرهاب فكريِّ مرَّكز على العلماء، وتشن هذه الحرب جهات عديدة على رأسها وسائل الإعلام المختلفة. إننا نسمع ونرى هؤلاء الجهال من رائم للبُروز قبل أن ينضج، فراش قبل أن يبري، و تَزَبَّبَ قبل أن يَتَحَصرَمَ، وقد قِيل :"من البلية تشيُّخ الصَّحفية"، ولقد صدق الإمام ابن حجر العسقلاني - رحمه الله تعالى عندما قال: (إذا تكلم المرءُ في غير فنِّهِ أتى بهذه العجائب). وإذا تأملت فى حال هؤلاء الذين يهاجمون الشيخ الصادق الغرياني حفظه الله وفتشت فى أقوالهم لم تجد إلا ذواتهم وأغراضهم وأهوائهم يريدون أن يبتلوا بها الناس في دينهم وأخلاقهم، كالمسلول يصافحك ليُبلغك تحيته وسلامه فلا يبلغك إلا مرضه وأسباب موته!! 1.

إن نظرة خاطفة لعموم الكتابات التي دونها هؤلاء القوم سوف تكشف لكل منصف عاقل مدى جهل هؤلاء بأبجديات العلم الشرعي وطرائق الإستدلال فيه. لقد كتب احدهم معترضا على عدم إستشارة العلماء الأخرين وذكر بعض الأسماء فى محاولة منه لتوظيف هذه الأسماء كجسر عبور لا غير. لم يكن مستغربا أن يثير هؤلاء القلة هذه الهجمة فى محاولة منهم لكسب المزيد من مربعات الوجود ودوائر التاثير ولا شك أن من تأمل وحلل حقيقة حراكهم ومساعيهم علم بأنهم لم يكونوا يستهدفون الشيخ الصادق الغرياني حفظه الله فحسب، بل كانوا يستهدفون قيم الإسلام السائدة فى المجتمع الليبي وتحطيم جميع الحواجز وشيوع الانحراف السلوكي والفكري، وكان الأجدر بهم أن يغلبوا الصالح العام لقيم الإسلام وسيادة شريعته على المصالح المذهبية الضيقة.

لقد أثنى الله على العلماء فى أكثر من موضع في القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى ) إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُور) [فاطر:28]. قال ابن كثير: "أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى، كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل، وكانت الخشية له أعظم وأكثر) 2.ويقول الشيخ بن عاشور:"أي إنما يخشى الله من البشر المختلفة ألوانهم العلماء منهم. وهذا مثل قوله إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب" 3 . ويقول الله فى كتابه العزيز (أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) [الرعد:41]، قال ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد وعطاء رحمهم الله: (ننقصها من أطرافها موت علمائها وصلحائها ) قال أبو عمر بن عبد البر : قول عطاء في تأويل الآية حسن جدا ; تلقاه أهل العلم بالقبول. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" متفق عليه. قال الإمام النووي:(هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم ليس هو محوه من صدور حفاظه، ولكن معناه أن يموت حملته، ويتخذ الناس جهالاً يحكمون بجهالاتهم، فيضلوا ويضلون) 4.

فإن مما ابتلينا به في هذ الزمان هو الوقوع في أعراض العلماء والدعاة بنبذهم بألقاب السوء، والقدح فيهم، وعدم احترامهم وتقديرهم بدعوى حرية الرأي، ولو تأملت فى طريق هذا القوم لوجدت التشابه بينهم وبين أهل الأهواء من المنافقين والملاحدة. فليس مرادهم هو الطعن في ذات العالم ، وإنما مرادهم هو الطعن في الدين. ولقد علم سلفنا الصالح مراد هؤلاء فهذا يحي بن معين رحمه الله يقول: (إذا رأيت الرجل يتكلم في حماد بن سلمه وعكرمة مولى ابن عباس فاتهمه على الإسلام). وروى ابن عبد البر فى جامعه عن ابي الدرداء- رضي الله عنه أنه قال:(كن عالما أو متعلما أو محبا أو متبعا، ولا تكن الخامس فتهلك. قال: قلت للحسن: وما الخامس؟ قال: صاحب الهوى. قال ابن عبد البر معلقا: الخامسة التي فيها الهلاك معادة العلماء و بغضهم ). فإن العلماء هم ورثة  وإن الأنبياء لم يورثوا درهم ولا دينار وإنما ورثوا العلم، وهم نجوم الدجى وأعلام الهدى، والأمة لا تزال بخير ما عرفت للعلماء قدرهم و مكانتهم، واحترام العلماء و إكرامهم هو احترام للعلم الذي يحملونه، وشرفهم ليس مربوط  بمال أو نسب أو حسب أو وظيفة أو منصب، بل شرفهم مربوط بقولهم للحق والتزامهم بمنهج نبينا صلى الله عليه وسلم وعدم خوفهم إلا من الله الواحد القهار، فالمناصب هي التي تشرف بالعلماء لا العكس، والبلاد هي التي تفخر بالعلماء لا العكس.

إن من أهم ركائز منهج أهل السنة والجماعة ومفاخرها هي التجرد للدليل مع تقدير الرموز لا تقديسهم. يقول الإمام الذهبي رحمه الله - في سير أعلام النبلاء -:( ثم إن الكبير من العلماء إذا كثر صوابه وعلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زللـه ولا نضلله ولا نطرحه وننسى محاسنه, نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه ونرجو له التوبة من ذلك) 5. فانظر إلى إنصاف هذا الإمام للعلماء فإنه ينوه بأنّه إذا ظهر منهم خطأ فإنهم لا يتركون بالكلية ولا يشنع بهم بل يجب احترامهم وتقديرهم مع اجتناب الخطأ الذي وقعوا فيه.

وأخيرا إنني أقدم نصحي لهؤلاء بأن يعتبروا بمن سلك طريقم ثم عاد الى الحق. فهذا عبد الرحمن بدوي- المفكر الوجودي الشهير- الذي قال قبل وفاته بشهرين :"لا أستطيع أن أعبر عما بداخلي من إحساس بالندم الشديد لأني عاديت الإسلام لأكثر من نصف قرن أشعر الآن بالحاجة إلى من يغسلني بالماء الصافي الرقراق لكي أعود من جديد مسلماً حقاً إنني تبت إلى الله و ندمت على ما فعلت" 5

 

 

د. محمود منصور الرقيعي

1.        تحت راية القرأن . مصطفى صادق الرافعي

2.        تفسير ابن كثير 3-533.

3.        تفسير التحرير والتنوير

4.        شرح النووي على مسلم ] 16-223 [

5.        سير أعلام النبلاء  ] ج5-279 [

6.        مجلة الحرس الوطني- السعودية- 1102002 عدد 244

.

 

 

 
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها ،ويحتفظ موقع "صحيفة الوطن الليبية" بحق حذف أي تعليق لأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الإسم
عنوان التعليق
نص التعليق